شـريـط الأخــبار:: مرحباً بكم في موسوعة المملكة العربية السعودية    
  البحــث
 
بحث متقدم


 
 

الصــور
السابق التالي
الخــرائط
السابق التالي
   
المنطقة: جازان
الباب: الحركة الثقافية
الفصل: مقومات الحركة الثقافية
رئيس اللجنة العلمية: أ.د. معجب بن سعيد الزهراني (أستاذ الأدب الحديث وعلم الجمال بجامعة الملك سعود)
إعداد: د. عبدالله بن أحمد الفيفي (أستاذ النقد الأدبي الحديث المشارك بجامعة الملك سعود)
التحكيم العلمي: أ.د. عبدالله بن سالم المعطاني (أستاذ النقد الأدبي بجامعة الملك عبدالعزيز)

الباب الخامس: الحركة الثقافية

الصفحة الرئيسة » جازان » الباب الخامس: الحركة الثقافية

الفصل الأول: مقومات الحركة الثقافية

لعلّ أقدم ما تحمله المكتبة العربيّة من إشارات ثقافيّة إلى جازان هو ما ورد في شعر شاعر الغَزل المشهور أبي دَهْبَل الجمحي (ت 63هـ / 682م)، ويتضمن شعره إشارات إلى جازان ومواطنها، تدلّ على علاقته الحميمة بها وبأهلها. ولا غرو فالأصفهاني يذكر أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني، تحقيق: لجنة من الأدباء، بيروت : دار الثقافة، 1983م ، جـ7، 132)   أن سليمان بن عبدالملك كان قد أقطع أبا دَهْبَل قطيعة بـ (حاذان)، وأغلب الظن أن (حاذان) في نَصّ الأصفهاني ما هي إلا تصحيف (جازان)؛ لأن (حاذان) اسم لا ذكر له في ما تحت أيدينا من كتب البلدان المعروفة، ولأن أبا دَهْبَل يذكر جازان من هذا يتبدّى أن استعمال جازان أقدم من استعمال جيزان ، وقد ورد استعمال جازان قبل هذا في الحديث الذي أورده : يحيى بن آدم القرشي، كتاب الخراج، تحقيق : حسين مؤنس، القاهرة / بيروت : دار الشروق، 1987م ، 115. ) '' أن رجلاً قال : يا رسول الله إني أُحبّ الجهاد والهجرة، وأنا في مالٍ لا يُصلحه غيري، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يَأْلِتُكَ اللهُ من عملك شيئًا ولو كنتَ بضَمَد وجازان '' ؛ وهكذا أثبت الاسمَ ياقوت الحموي، معجم البلدان، طهران : مكتبة الأسدي، 1965 - م ، جـ2، 7 ( جازان) ) ومن متأخّري المنسوبين إلى جازان - بهذه الصيغة - الأمير المكّي الشريف أحمد بن محمد بن بركات، الملقّب بـ الجازاني ، ت909 هـ / 1503م ؛ انظر : خير الدين الزركلي، الأعلام، بيروت : دار العلم للملايين، 1984م ، جـ1، 232 وسراج الدين عمر مكّي بافضل الجازاني؛ انظر : محمّد بن أحمد العقيلي، مقالات رصينة وتحقيقات أمينة، جازان : نادي جازان الأدبي ،1420 هـ ،110 ؛ بينما جاء الاسم لدى مجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، اعتناء : نصر الهوريني، مصر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1952 م ) : ( جاز) : ( جيزان) بالياء ) ويُذكر من أعلام المتأخّرين المنسوبين إلى جيزان - بهذه الصيغة - : شهاب الدين أحمد بن عبدالقادر الجيزاني، في النصف الأول من القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي ، الملقّب بـ عرب فقيه ، مؤلّف كتاب فتوح الحبشة ؛ العقيلي، محمد أحمد) مقالات رصينة، مرجع سابق؛ وقال : محمد أمين المُحِبِّي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، بيروت : دار صادر، د ت ، جـ1 ،327 '' جازان أصلها جَوزَان ، بفتح الجيم والزاي، وجازان لغة عامّيّة، هكذا رأيتُ في بعض التعاليق، والله تعالى أعلم '' ) وقد أشار الزركلي، خير الدين) الأعلام، مرجع سابق، إلى انفراد المحبّي بالزعم أن : '' جازان لغة عاميّة '' )   في شعره ويدعو لها بالسُّقيا، في مثل قوله:

ســقى اللــهُ جازانًـا فمـن حَـلَّ وَلْيَـهُ      فكُــلَّ  فَسِــيلٍ مــن سَــهام وسُـرْدُدِ
ومحصولَــه  الــدارَ التـي خـيّمتْ بهـا      ســقاها  فــأرْوى كــلَّ ربــعٍ وفَدْفـدِ
فــأنتِ  التــي كــلَّفتِني الـبِرْكَ شـاتيًا      وأورَدتِنِيْــهِ  فـــانظري أيَّ مَـــوْرِدِ الأصفهاني، أبو الفرج (كتاب الأغاني، مرجع سابق، جـ7 ،125) .  

وإنه لَيُلمَس من إشارات شعر أبي دهبل أنه تولى منطقة جازان في عهد عبدالله بن الزبير الزركلي، خير الدّين) الأعلام، مرجع سابق، جـ8، 125 . - ) ،   أو قريبًا منها؛ فهو يشير في إحدى قصائده إلى خروجه من مكة قاصدًا (وادي البِرْك) الذي أشار إليه في أبياته الآنفة، و (البِرْك): مكان معروف باسمه إلى اليوم، وهو من أعمال المخلاف المخلاف : يُطلق على البقعة الواسعة من الأرض، وتبدو للكلمة علاقة بالزراعة وإخلاف الأرض بالحصاد والثمار؛ فالمخلاف لليمن كالسواد للعراق؛ أبو منصور الثعالبي، فقه اللغة، بيروت : دار مكتبة الحياة، د)ت ، 20 ؛ انظر : الحموي، ياقوت) معجم البلدان، مرجع سابق، جـ1، 29، 30، فقد نصَّ - بعد إشارته إلى أن المخلاف أكثر ما يقع في كلام أهل اليَمَن - على أن اللفظ مشتقٌّ من تخلّف القبائل في بعض النواحي واستقرارها بها)   السليماني محمّد بن أحمد العقيلي، التاريخ الأدبي لمنطقة جازان، جازان : نادي جازان الأدبي، 1990م، 12 ؛ انظر : محمد بن أحمد العقيلي، تاريخ المخلاف السليماني، الرياض : دار اليمامة للطباعة والنشر،1982م ، جـ1، 212؛ إذ يحدّد قرية البِرْك بأنها في جبل متصل بالبحر بين القَحْمة وحَلْي ابن يعقوب)   وذلك في قوله:

فقلــتُ  لهــا قــد بنْـتِ غـيرَ ذميمـةٍ      وأصبـح  وادي الــبِرْكِ غيثًــا مُدَيّمـا الأصفهاني، أبو الفرج (الأغاني، مرجع سابق، جـ 7 ، 138).  

بل كأن الرجل قد اتخذ من جازان مُقامًا له ولعائلته في آخر حياته؛ لما يورده الأصفهاني المرجع السابق، جـ 7،141، 142   من إشارته إلى (بَيْش)، فنجده يسوق في أخباره أنه " وقع له ميراث بمصر، فخرج يريده، ثم رجع من الطريق، فقال:

اســـلمي  أُمَّ  دَهْبَـــلٍ بعــد هَجْــرِ      وتَقَـــضٍّ  مـــن  الزمــانِ وعُمْــرِ
واذكـــري كـــرّيَ المطــيَّ إليكــم      بعــد مــا قــد توجّـهَتْ نحـو مِصْـرِ
لا  تخـــالي أنِّـــي نســـيتكِ لمــا      أنّ  بَيْشًــا ومــن بــه خـلف ظهْـري
إنْ تكـــوني أنـــتِ المقــدَّم قَبلــي      وأُطَــعْ يَثْــوِ عنــدَ قــبرِكِ قَــبري

ولعل (أُمَّ دَهْبَل) حبيبةَ الشاعر وزوجته التي يخاطبها بهذه الأبيات ما هي إلا (عَمْرة) نفسها التي عشقها شابًّا وتغنّى بها، وهي امرأة قرشية من قومه كان يهواها، وكانت " امرأة جَزْلَةً، يجتمع الرجال عندها لإنشاد الشعر والمحادثة، وكان أبو دَهْبَل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها، وكانت هي أيضًا محبّةً له... وزعمت بنو جُمَح أنه تزوجها بعد " المرجع السابق، جـ 7 ، 132، 133 .   ولا يُتَصوَّر أن تنشأ هذه العلاقة (الحجازية الجازانية) بأبعادها العاطفية والشعريّة والثقافيّة دون أن تُحدث تلاقحًا في الأفكار وتفاعلاً بين أجواء الحجاز المزدهرة إبّان العصر الأموي، شعرًا وفنًّا وحضارة، وأجواء منطقة جازان المشرفة على حضارة اليَمَن وتراثها. وفي ذلك كله ما أسهم في بثّ بذارٍ لنهضة فكريّة وثقافية مبكرة في منطقة جازان. وإذا عُدَّ الشاعر أبو دَهْبَل نموذجًا بارزًا على قيام تلك العلاقة الحجازية الجازانية، فإن علاقة جازان بالحجاز أشمل، فقد كانت قبائل كنانة منتشرة في مخلاف عَثَّر. ويفيد الهمداني الحسن بن أحمد الهمداني، صفة جزيرة العرب، تحقيق : محمّد بن علي الأكوع الحَوالي، الرياض : دار اليمامة للطباعة والنشر، 1994، 76،259؛ العقيلي، محمد بن أحمد) التاريخ الأدبي لمنطقة جازان، مرجع سابق،12)-   أن (مخلاف عَثَّر) كان ساحلاً جليلاً وسوقًا عظيمًا شأنُها، ملوكه - مع مدينة (بَيْشَ) وسواها - من بني مخزوم القرشيين ومن مواليهم.

أمّا فقدان المدوّن من ذلك كله فمردّه إلى أن حركة التدوين نفسها لم تكن تتعدّى مدن الثقافة المهمة آنذاك إلى الأقاصي من العالم الإسلامي والأطراف؛ ولذلك لم يُعرف من أعلام تلك المواطن إلا من ارتحل إلى مساقط الأنوار الثقافيّة، ولا سيما في العراق، والشام، ومصر، والحجاز، فضاع أكثر مما بقي، واستمر ذلك الضياع حتى في العصور التالية التي شهدت نهضة ثقافيّة أوسع وتواصلاً أدبيًّا أكبر.

وشهرة أعلام من صحابة رسول الله _ من منطقة جازان مؤشِّر على طليعية أبناء المنطقة - منذ الصدر الأول للإسلام - في تبنّي النقلة الثقافيّة التي أحدثها الإسلام في جزيرة العرب. وقد كانت قبيلة (حَكَم بن سعد العشيرة) من (كهلان بن سبأ بن يشجب) هي أبرز قبائل جازان في صدر الإسلام، ومنهم أسرة بني عبد الجدّ الحَكَمي التي حَكَمت المنطقة في الجاهلية والإسلام. وممّن يُذكر من صحابة رسول الله _ من أبناء تلك القبيلة: عبد الجدّ بن ربيعة الحَكَمي، وأبو موسى الحَكَمي، وقدامة بن مالك الحَكَمي، وثوبان بن بجدد الحَكَمي، وعبدالعزيز بن الوليد الحَكَمي، أجمعين حسين صديق يحيى حَكَمي، من مشاهير الحَكَميّين، جازان : نادي جازان الأدبي، 2001م ،27 - 33) .   مضافًا إلى هذا عشرات التابعين، والمحدثين، والعلماء، والأدباء، والشعراء، على مرّ القرون الإسلامية.

أمّا ما كان لجازان من تراث قبل الإسلام؛ فعلى الرغم مما يُتوقع مما كان لها من تفاعل ثقافي مع شمال الجزيرة وجنوبها عبر رحلتي الشتاء والصيف، بل من تفاعل حضاري مغرق في القِدَم عبر البحر الأحمر مع خارج الجزيرة العربيّة، في إفريقيا وآسيا، وهو ما يؤكّده بعضُ آثار المنطقة ثقافيّةً أو ماديّةً من ذلك على - سبيل المثال - ما عُثر عليه في أحد أودية قرية جوّة آل شراحيل بمركز فَيْفَاء، وهو تمثال فرعوني صغير للملكة (حتشبسوت)، وقد نُشر تقرير عنه بعنوان: ''الملكة حتشبسوت تظهر في فَيْفَاء بجيزان''، جريدة الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، ع9605، (الرياض: الثلاثاء 6 جمادى الأولى 1415 هـ / 11 أكتوبر 1994م)، 13، والمجسم يُثبت الصلات التجارية بين جيزان ومصر القديمة.) ؛   فإن تراث تلك الحقب قد خضع لمنهجية جامعي الأدب واللغة - في القرنين الأول والثاني الهجريّين - الذين توخّوا انتقائية صارمة تخدم أغراضهم في دراسة اللغة العربيّة الفصحى لغة القرآن الكريم، فكان شرطهم الجغرافيّ - الداعي إلى الاقتصار على الأدب في وسط الجزيرة العربيّة - سببًا في إهمال الأدب في أطراف الجزيرة وحواشيها. وهذا يجيب بجلاء عن تساؤل أحد الباحثين إذ يقول: " فأين ذلك التراث الأدبي؟! وقد بحثتُ مخلصًا في ما تحت يدي من المخطوطات وفي بعض المطبوعات، فلم أوفّق إلى العثور على أشعار أو أدب لمنطقتنا قبل القرن الخامس الهجري " العقيلي، محمد بن أحمد) التاريخ الأدبي لمنطقة جازان، مرجع سابق، 13) .   إلاّ أنه يقدّر - ولا بدّ - أن لمخلافَي (حَكَم) و (عَثَّر) اللذين اندمجا في حقبة متأخرة من التاريخ في وحدة واحدة باسم (المخلاف السليماني) مأثورًا من الأدب في الجاهلية وقرون الإسلام الأولى.

وتتمتّع جازان ببيئة مواتية للنهوض الثقافي؛ فهي معروفة بتنوّع تضاريسها، واختلاف مناخاتها، وخصوبة تربتها، وغزارة أمطارها الموسميّة، وتدفّق مياهها من العيون والأودية، ولا سيما واديها الذي أكسبها اسمها الحديث (وادي جازان)، والممتدّ من أعالي جبال رازح ومواطن خولان حتى مصبّه في البحر الأحمر، وهذا ما مَنَحَها تميّزَها الزراعيّ والرعويّ؛ فهي من أكثر مناطق الجزيرة في ذلك خصبًا وإنتاجًا رنتز G. Rentz، جيزان: دائرة المعارف الإسلاميّة، إعداد وتحرير: إبراهيم زكي خورشيد وآخَرَين، (القاهرة: دار الشعب، د.ت)، جـ13، 110. .   هذا إلى صناعاتها البحرية وتجاراتها الداخليّة والخارجيّة. وقد كانت لجازان أسواقها، وكانت لها عملاتها المستقلّة، ومنها (الدينار العَثَّريّ) الذي سكّه أميرها سليمان بن طرْف الحَكَمي الذي وحّد مخلافي حَكَم (من الشَّرَجة جنوبًا إلى صَبْيا شمالاً) وعَثَّر (من شمال صَبْيا إلى حَمْضَة)، وحَكَمَه في الفترة التي بين عامي 373 و 393هـ تقريبًا / 983 و 1003م، وسُمّي المخلاف السليماني باسمه. وقد ظل الدينار العَثَّريّ متعامَلاً به في جنوب الجزيرة عمومًا، حتى بعد زوال آل طرْف بأَمَد العقيلي، محمد بن أحمد. تاريخ المخلاف السليماني، مرجع سابق، جـ1، 71، 72، 168؛ العقيلي، محمد بن أحمد. التاريخ الأدبي لمنطقة جازان، مرجع سابق، 7 - 18، نقلاً عن: عمارة، المفيد، 39. .   ولئن صحّ القول إن ازدهار الأدب لا يصحب بالضرورة ازدهار الزراعة والحضارة والعمران والاقتصاد، فلا مراء في أن لا حضارة بلا حركة ثقافيّة وفكريّة مواكبة.

وتُعدّ منطقة جازان من المراكز المهمّة التي كان لها القِدْح المعلّى في ثقافة الجزيرة العربيّة خلال القرون الإسلامية الوسيطة 399 - 1199هـ / 1009 - 1785م عبدالله بن محمد بن حسين أبو داهش، أَهلُ تهامَة: المخلاف السليماني وحلي ابن يعقوب وأحوازهما في القرون الإسلامية الوسيطة 400 - 1200 هـ / 1009 - 1785م، (الرياض: مطبعة العبيكان، 1999م)، 171. .   وقد ظلّ التفاعل الثقافي الحميم بين المراكز الثلاثة (الحجاز، واليَمَن، وجازان) ممتدًّا عبر التاريخ إلى الوقت الراهن حجاب بن يحيى الحازمي، لمحات عن الشعر والشعراء في منطقة جازان خلال العهد السعودي، (جازان: نادي جازان الأدبي، 2001م)، 73 - 76. .   ولمّا كانت جازان ذات مكانة حضارية وثقافيّة مهمّة فإن غنائم من كان يغزوها ما كانت لتخلو من الكُتُب النفيسة، كما حدث - في غضون ذلك التجاذب السياسيّ بينها والحجاز - من إغارةٍ عليها شنّها شريف مكة محمّد بن بركات الأول سنة 882 - 884هـ / 1477 - 1479م رنتز G. Rentz، جيزان: دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق، جـ13، 112. .   وفي الآثار التاريخية الكثيرة في جازان شواهد على تلك المكانة الحضاريّة والثقافيّة التي كانت تتبوؤها المنطقة. ولعل ما لم يُكتشف من تلك الشواهد أكثر ممّا اكتُشف، وربما أهمّ؛ فجازان لاتزال أرضًا بكرًا، لم تمسسها بعدُ أيدي المنقِّبين من الآثاريّين بما تستحقه من بحث، رغم شواهدها الظاهرة على ما تخبّئه أرضها من ماضٍ حضاريّ اجتهد العقيلي - بخبراته البحثيّة المُتاحة - في تتبع بعض تلك الآثار، وأسفرت جهوده الشخصية المشكورة عن اكتشاف نقشٍ حجريٍّ هنا أو تخمين موقع أثريٍّ هناك، وقد دَوّن جُلّ نتائجها في كتيّبه: الآثار التاريخيّة في منطقة جازان.) .   ومن بقايا تلك الآثار - على سبيل المثال - آثار مدينة (جيزان العليا) وهي مدينة تاريخية ، كانت تُعرف أيضًا بـ (الدَّرْب) أو (دَرْب النجاء) محمّد بن أحمد العقيلي، الآثار التاريخية في منطقة جازان، جازان نادي جازان الأدبي، 1979م ، 37 .  

هذا فضلاً عن الآثار الأخرى التي عرّج عليها الرحّالة من عرب وعجم وسجّلوا عنها مشاهداتهم أحمد بن عمر الزيلعي، '' جازان في عيون الرحّالة '' ، مرافئ، نادي جازان الأدبي، ع6، جازان : محرم 1425 هـ - مارس 2004م ، 148 - 153 ،   ومنها تلك القائمة في جُزُر فَرَسان، بأصولها المغرقة في تاريخها القديم، العربيٍّ وغير العربيّ إبراهيم عبدالله مفتاح، فَرَسان : الناس والبحر والتاريخ، جازان : نادي جازان الأدبي، 1990م ) .  

وقد ظلّتْ جازان في العصور الإسلامية - كشأنها قبل الإسلام - همزة الوصل بين اليَمَن والحجاز، ومحطة السالكين بينهما، وكان من أولئك كثير من العلماء، والأدباء، والتجّار، والفضلاء، ومنهم من يحْلو له المقام فيها، فتستفيد منه المنطقة في نشر الثقافة. ومن أسباب ذلك ونتائجه - في آن واحد - تلك الأسر العلميّة العريقة في المنطقة، وما تمتّعت به ثقافتها من انفتاح معرفيّ عبدالله بن محمد بن حسين أبو داهش، الحياة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية 1200 - 1351 هـ / 1785 - 1932م، ( الرياض : دار الأصالة، 1982م ،75 - 84 . .   ويؤكّد ما أحدثه ذلك كله من توقّد فكريّ وازدهار أدبي توالي تاريخ منطقة جازان الثقافي (المدوّن منه على الأقل) منذ القرن الخامس الهجري، أي منذ أن برزت في ميدان الشعر أسماء شعراء مثل: علي بن محمّد التهامي يذهب العقيلي، محمد بن أحمد . كتاب التاريخ الأدبي لمنطقة جازان، مرجع سابق، 39 - 40 ، إلى الظن بأن الشاعر المعروف علي بن محمّد التهامي، ت 416 هـ من جازان، وأن أحمد بن علي التهامي هو ابنه)   وأحمد بن علي التهامي، وعمارة الحَكَمي اليَمَني، وابن هُتَيْمِل، وأحمد بن جناح الضَّمَدي، ومنصور بن سحبان، والجرّاح بن شاجر الذَّرَوِيّ، وصولاً إلى الحسن بن عاكش الضَّمَدي في القرن الثالث عشر الهجري المرجع السابق، 21، وغيرها؛ حسن بن أحمد إبراهيم النعمي، الحسن بن عاكش الضَّمَدي : حياته وشعره وتحقيق ديوانه، جازان : النادي الأدبي بجازان، د. ت ) .  

   التالي
جميع الحقوق محفوظة لمكتبة الملك عبد العزيز العامة © م